ابن الجوزي

311

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فجاز على بستان فطلب منه ماء ليشرب ، فأخرجت له صبية إناء فيه ماء قصب السكر والثلج فشربه ، فاستطابه فقال : هذا كيف يعمل ؟ فقالت : من قصب السكر يزكو عندنا حتى نعصره بأيدينا فيخرج منه هذا الماء . فقال : احضريني شيئا آخر منه [ فمضت وهي لا تعرفه ] [ 1 ] فنوى في نفسه اصطفاء المكان لنفسه وتعويضهم عنه ، فما كان بأسرع من أن خرجت باكية فقال لها : ما لك ؟ فقالت . نية سلطاننا قد تغيرت علينا . فقال لها : من أين علمت ؟ قالت كنت آخذ من هذا الماء ما أريد من غير تعسف ، والآن فقد اجتهدت في العصر فلم يسمح ببعض ما كان يخرج عفوا . فعلم صدقها فقال : ارجعي الآن فإنك تلقين الغرض ، ونوى أن لا يفعل ما عزم عليه ، فخرجت ومعها ما شاءت وهي مستبشرة . فلما حكى الواعظ هذا قال له السلطان : أنت تحكي لي مثل هذا فلم لا تحكي للرعية أن كسرى اجتاز وحده على بستان فقال للناطور : ناولني عنقودا من الحصرم [ فقد كظني العطش واستولت علي الصفراء ] [ 2 ] فقال له : ما يمكنني ، فإن السلطان لم يأخذ حقه منه فما يمكنني جنايته ، فعجب من حضر وكان فيهم نظام الملك ، من مقابلة السلطان تلك الحكاية بهذه ، واستدلوا على قوة فطنته ، وقد سار هذا السلطان من أصبهان إلى أنطاكية ، وعاد إلى بغداد ، فما نقل أن أحدا من عسكره أخذ شيئا بغير حق ودخل إلى بغداد ثلاث مرات وكان الناس يخافون الغلاء فيظهر الأمر / بخلاف ما ظنوا ، وكانت 150 / ب السوقة تخترق عسكره ليلا ونهارا ، والسوادي يطوف بالتين والدجاج في وسط العسكر ولا يخافون ولا يبيعون إلا بما يريدون . وتقدم بترك المكوس فقال له أحد المستوفين يا سلطان ، العام قد أسقطت من خزائن أموالك ستمائة ألف ونيفا فيما هذا سبيله ، فقال : المال مال الله ، والعبيد عبيده ، والبلاد بلاده ، وإنما يبقى في ذلك ، فمتى راجعني أحد في ذلك تقدمت بضرب عنقه . وذكر هبة الله بن المبارك بن يوسف السقطي في تاريخه قال : حدثني عبد السميع بن داود العباسي قال : قصد ملك شاه رجلان من أهل البلاد السفلى من أرض العراق يعرفان : بابني غزال ، من قرية تعرف بالحدادية ، فتعلقا بركابه وقالا : نحن من

--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 2 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل .